12 ديسمبر , 2017 9:37 مساءً

الكاتب المصرى ضياء الدسوقي وقصته القصيرة بعنوان: المحولجي

 

ضياء الدسوقى11

استيقظت القرية الهادئة .على أصوات صُراخ واستغاثت وكلمات مُبهمة.. قتيل صدمتنا الكلمة التي لم نعرفها أو نسمعها من قبل. الشمس لم تُشرق بعد وغبشة الفجر لا تُظهر الا جُزء من الحقيقة .ركضت مع من ركضوا في اتجاه محطة القطار التي لا تبعد كثيراً عن القرية وإن كان أهل القرية يعتبرونها منطقة معزولة وذلك لأن المحطة تجاور المقابر وفي الطريق إليها سوف تصطدم عيناك بمصنع السِجاد المهجور المتوقف عن العمل من سنوات طويلة والذي تَنتشر حولهُ إشاعات كثيره بأنه مسكون بالجنِ والعفاريت .كُنا أطفال ننساقُ بسهولةً وتستهوينا حكايات الجن والعفاريت .وما أن وصلت حتي وجدت مُعظم أهل القرية مُجتمعين مُلتفين حول جسد رجُل مُسجى على الارض ومُغطي بمفرش من القماش كُنا في اواخر الشتاء ولازالت لسعة البرد تلامس أجسامنا النحيفة وأقدامنا الحافية .هبت الرياح وأزاحت المفرش الذي يغطي جسد الرجل .ظهر جلبابه وبالطو الصوف الأصفر .وإلى جواره كان فانوسه مُلقي على الأرض مطفأ الشُعلة وقطرات دماء تلوث جلبابه الأزرق الذي غطا مساحات كبيرة منه بقع من التُراب الذي حوله الندى إلى طين شديد السواد . حاول أحد الموجودين إبعادنا ولكنه الفضول كان ينهش نفسي دفعني للعودة .وكنت اعرفه و كثيراً شاهدته يتحدث مع أبي ويبتسم ..ورغم شكله المخيف بالنسبة لي وعيناه الجاحظتين ونظراته الحادة التي لا يستطيع أحد الصمود أمامهم طويلاً ويضطر لتحويل عينيه سريعاً وبشرته السمراء وشعره الأبيض وظهره المُنحني كُنت الاحظ أن هناك مودة تربطه ب أبي ربما بحكم سفره بالقطار {الوسيلة الوحيدة للسفر في ذلك الوقت } بشكل يومي . وتذكرت ما حكاه أبي عن الرجُل الطيب كما كان يناديه .و لقب المحولجي ليس اسمه أو اسم عائلته ولكنها مهنته التي لا يعرف غيرها . و مهنة بالنسبة لأهل القرية الذين يعمل مُعظمهم بالفلاحة أو عمال في مصانع المنسوجات المُنتشرة بالقرية مهنة مُريحة مضمونة .الراتب يأتي بانتظام أخر الشهر غيرهم هم الذين يأتيهم رزقهم بشكل يومي أو موسمي يعني {وظيفه ميري} لا مشقة فيها فهو يقضي كامل يومه داخل محطة القطار . ولأن خط القطار مفرد كان لابد من عمل ما يسمى بالمخزن هو خط ثاني موازي للخط الرئيسي طوله حوالى نصف كيلو ويرتبط الخطان معاُ قبالة مصنع السجاد بريش حديدة يتم تحريكها يدوياً ب مفتاح حديدي أسود يتخذ شكل رجُل على وشك السجود.و بهذه الحركة ينتقل القطار القادم من المنصورة إلى المخزن لانتظار القطار القادم من الاتجاه الأخر من دكرنس وفي الناحية الأخرى مقابل ماكينة الطحين مفتاح أخر يتم تحريكه حتى يرجع القطار من المخزن للخط الرئيسي…كانت المقابلة بين القطارات تحدث ثلاثة مرات في اليوم واحدة في الفجر وثانية في مُنتصف النهار والاخيرة في الليل. وفي المقابلة الصباحية أو المسائية كُنا نشاهد الرجُل وهو يجرى حاملاُ فانوسه و يُشير به لسائق القطار القادم فينتظر حتى يتم تحويل الخط ويدخُل إلى المخزن .ثم يجري مرة ثانيه مهرولاً حتى يصل إلى المفتاح الثاني ويحركه حتى يعود القطار إلى الخط الرئيس ..جاء عدد من العساكر وسيارة إسعاف مُتهالكة وحملوا جُثة الرجل .وانصرف الجميع ..وظلت أسئلة كثيرةُ تدور في نقوسنا …لماذا قُتل؟ الرجل ومن فعل ذلك ؟…وانتشرت إشاعات كثيره .حول الرجل الذي يعرفه الجميع ولكنهم لا يعرفون عنه شيء حقيقي…كان وحيداً غريباً لا علاقات له جاء من بلد بعيد من سنوات طويلة ..يسكُن في مبنى المحطة المكون من طابقين الطابق العلوي مهجور والطابق السفلى به غرفتان واحده يجلس بها ناظر المحطة وتستخدم ك غُرفة انتظار للركاب والقادمون للسفر وقطع التذاكر ويغادرها ناظر المحطة مساءً عائداً لبلدته القريبة والثانية يسكُنها وفي مقابل المبنى كانت مقابر القرية دائمة الصمت وخلف المحطة بركة المياه الكبيرة تحاوطها وتعزلها عن البيوت البعيدة . ولا قريب منه غير مصنع السجاد المهجور ومقهى عزوز المبني بالبوص والطين على حافة المقابر .وانتشرت الأخبار أنه تم القبض على بعض رواد المقاهي. ولكنهم عادوا للظهور بعد فتره .حاول الكثيرون حل اللُغز دون جدوي قال البعض أن العفاريت قتلته لاقتحامه منطقة نفوذها في مصنع السجاد عند الفجر .وقال أخرون أن الرجُل كان يستغل فترات فراغه ويعمل بالدّجل والسحر والاعمال السفلية وتناقل رواد مقهى عزوز أنهم كانوا يسمعون اصوات غريبة تصدر من مبنى المحطة في الليل ربما أصوات طبول أو صراخ ولكن غيابهم عن الوعي بعد سهراتهم في تدخين الحشيش جعل أخبارهم غير موثوق فيها . وقال أخرون ربما هي جريمة شرف لأنهم لمحوا نساء لا يعرفونهم يتسربون خلسة داخل المحطة في أيام متباعدة ….وحكايات كثيرة وإشاعات ظلت القرية تُرددها طويلاً..ومرت أيام كثيره ….وقُيدت الجريمة ضد مجهول وغاب المحولجي في بحر النسيان …وبقى مصنع السجاد المهجور هو الشاهد الوحيد على جريمة طوتها الأيام والسنين………{تمت}

**حكاية قديمة

من أوراقي القديمة .

عن حافظ الشاعر

رئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير جريدة وموقع الزمان المصرى وصوت المنصورة . ومدير تحرير جريدة الكرامة."باحث سياسى" مدير مكتب قناة العروبة بالدقهلية-مدير مكتب قناة "صوت العرب"-مدير مكتب قناة "صوت مصر"

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>